حيدر حب الله
19
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
قوله تعالى مخاطباً بني إسرائيل : ( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ . . . ) « 1 » . فإذا أرجعنا آخر الآية إلى مجمل الفقرات السابقة ، لا إلى خصوص مسألة الأسرى ، كان معنى ذلك أنّ الكفر والإيمان ببعض الكتاب أفضى ببني إسرائيل إلى قتل بعضهم بعضاً ، والآية وإن لم تكن دالةً على ما نحن فيه لكن فيها نحوٌ من الإشارة والتأييد . والنتيجة أن هذه الآيات تربط بين الفرقة والدين تأثيراً وتأثراً . 3 - 2 - علاقة الدين بإنتاج الانسجام داخل الجماعة الدينية واستتباعاً للنقطة السابقة ، تعطي هذه الآيات دلالة على أنّ الارتباط بالدين كلّما تكامل كلّما اقتربت الأمّة من الوحدة ؛ وأن الفرقة توحي بوجود ابتعاد عن الدين ، ولعلّ هذا ما توحيه آية : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَ . . . ) فإن الاعتصام الجميعي بحبل الله هو المفضي إلى الوحدة ، كما أن صيرورة العرب متوالفين بالدين بعد التعادي في الجاهلية معناه أن الدين من عناصر التقارب والوحدة ؛ فإذا أفضى إلى الفُرقة كان ذلك خلاف حقيقة التقريب التي فيه بين الناس . وهذا يعني أن الاختلاف بعد مجيء الدين ناتج عن تقصيرٍ من البشر أنفسهم في
--> ( 1 ) البقرة : 84 - 85 .